فى العقود الأخيرة، أصبح هناك اهتمام كبيربالمؤشرات والتصنيفات الدولية، حيث إنها فى عصرنا الحالى تعتبر جزءا لا يتجزأ من تقييم أداء الدول والمؤسسات فى مجالات متعددة مثل التعليم، مكافحة الفساد، التنمية الاقتصادية، وغيرها من المجالات. وكثيرا ما نقرأ فى الصفحات الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية أو نسمع فى نشرات الأخبار عن ارتفاع التصنيف الائتمانى لدولة ما وتأثير ذلك على حجم الاستثمارات المتوقعة فيها، أوتدهورمكانة دولة أخرى فى تقرير التنافسية العالمية ومؤشرات التنمية البشرية، وتأثير ذلك على وضعها الاقتصادى والاجتماعى وتماسك الجبهة الداخلية، أو تراجع دولة أخرى من حيث مؤشر مكافحة الفساد، أو مؤشر حقوق الإنسان، وتأثير ذلك على وزنها السياسى عالمياً، وكيف يتم استخدام هذه النتائج لتحسين سمعة دولة ما أو للحط من مكانتها دوليا.

بالرغم من هذه الأهمية التى لا يستطيع أحد أن ينكرها لهذه التصنيفات الدولية، إلا أنها من المفترض أن تكون وسيلة لتحسين الأداء وتحقيق التقدم المستمر فى كافة الملفات والمجالات، وليست غاية فى حد ذاتها. فقد يلاحظ القارئ أن هناك مشكلة كبيرة يقع فيها الكثيرمن المسئولين، وخصوصا فى عالمنا العربى، تكمن فى إعطاء هذه المؤشرات والتصنيفات حجما أكبر من قيمتها الحقيقية، ويعتبرونها غاية فى حد ذاتها لا وسيلة للتحسين والتجويد، ويتم الاحتفاء المبالغ فيه بنتائجها إذا كانت فى صالح الدولة أو المؤسسة. فى الناحية الأخرى يتم التقليل من شأن من كانت نتائجهم فى التصنيفات متأخرة، مما قد يخلق شعورا عاما لدى الشعوب فى هذه الدول أو المنتمين لهذه المؤسسات بالدونية، وأنهم أقل من غيرهم. بل قد يتم استغلال نتائج التصنيفات المتدنية أحيانا فى شن حملات من الانتقاد والمعايرة من قبل جهات ودول معادية فى إطار الحروب النفسية على الدول.

فى الحقيقة، ومن الناحية العلمية البحتة، فإن الغاية الأساسية التى وجدت من أجلها هذه التصنيفات على المستوى العالمى هى التحسين المستمر فى أداء الدول والمؤسسات، لأنها تعتمد على مجموعة من معايير الجودة وإطار مرجعى لقياس الأداء وتحديد المجالات التى تحتاج إلى تحسين فى جميع الملفات. وينبغى على الدول والمؤسسات عندما تتلقى تقريرا بنتائج مؤشر ما فى ملف معين أن تأخذ فى الاعتبار أن هذه النتائج لا تروى القصة الكاملة عن الأداء الحقيقى لهذا الملف، وأن السياقات المحلية والثقافية والسياسية تختلف بشكل كبير من دولة لأخرى، ومن مؤسسة لأخرى مما يؤثر على نتائج وترتيب الدول فى ملفات معينة. فعلى سبيل المثال، مقارنة جامعة فى دولة فقيرة مع جامعة فى دولة متقدمة قد لا تكون عادلة أو منصفة إذا لم نأخذ فى الحسبان الاختلافات الجوهرية بين البلدين ومستوى المعيشة فيهما والقدرات الاقتصادية لهما. كذلك لا معنى لمقارنة حقوق الإنسان فى دول تختلف فى سياقاتها الثقافية والقيمية والأخلاقية، وبناء على معايير غربية صرف قد لا تتناسب مع تقاليد العديد من الدول. فهذه المقارنة غير ذى جدوى، وليس لها معنى من الأساس، فلا يمكن أن نقيم دولة ما فى الشرق المحافظ على أساس معايير أخلاقية سائدة فى دول الغرب الليبرالية.

ومن المؤسف أن بعض التصنيفات قد تُستخدم من قبل أطراف معادية أو جماعات غير نزيهة لإحراج الدول والمؤسسات بدون وجه حق، كما يحدث دائما فى تصنيفات التعليم والجامعات، خصوصا فى عالمنا العربي. ونتذكر جميعا كيف تم استخدام تقرير التنافسية الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى فى الفترة من 2013 حتى 2015 من قبل بعض الجماعات والدول للنيل من مصر طبقا لترتيبها المتأخر فيه، علما بأن مؤشر التعليم فى هذا التقرير لا يعتمد فى حسابه على بيانات مرتبطة بالتعليم، ولكن يعتمد على آراء عينة من رجال الأعمال فى الدولة، وبالتالى فهو مؤشر لقياس مدى رضا رجال الأعمال عن مخرجات التعليم ولا يمكن الاعتماد عليه فى ترتيب دول طبقا لجودة التعليم، وعندما يتم استغلال نتائج المؤشرات والتصنيفات الدولية بهذا الشكل فإنه يتم إخراجها عن أهدافها الحقيقية، وتُصبح مجرد وسيلة للضغط السياسى أو الاجتماعى بدلاً من كونها أداة بناءة للتحسين والتجويد. هذه الممارسات تعتبر من ضمن الحروب النفسية على الدول وتشكل خطراً على الروح المعنوية للشعوب والمؤسسات فى الدول التى تعمل باجتهاد للنهوض بأنفسها وفق ظروفها الخاصة.

وختاما أؤكد أنه يجب علينا عندما نتلقى نتائج تقارير الجهات المصدرة للتصنيفات أن نركز على تحسين الأداء بناءً على الاحتياجات الوطنية، وليس لمجرد الظهور بشكل جيد فى مؤشرات دولية قد تكون معاييرها غير ملائمة أو غير عادلة لنا،كما يجب أن ندرك أن التصنيفات هى أدوات للتحسين وفقط، وهى أيضا ليست غاية فى حد ذاتها بل مجرد وسيلة للتجويد، وأن يتم التعامل معها بحكمة وعقلانية. ويمكن الاستفادة منها كمرجع لتحسين الأداء، ولكن دون الشعور بالدونية أو الانسياق وراء ضغوط خارجية غير بناءة، فهى مفيدة فقط إذا تم استخدامها فى إطار تعزيز التطوير المستمر والتحسين الذاتى، وليس كسلاح يُستخدم ضد الذات أو الآخرين فى حملات نقدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *