خلال القرن الماضى كان لمؤسسات التعليم دور حيوى ومهم فى اكتشاف المواهب بما فيها المجالات الفنية والرياضية، حيث كانت المدارس والجامعات هى أهم الأماكن التى يستطيع الشاب أن ينمى مواهبه ويستثمر طاقاته بشكل سليم فى ظل بيئة تعليمية وتربوية مناسبة تماما لتحقيق هذا الغرض. فكثير من المواهب الرياضية والفنية والإعلامية فى القرن الماضى نشأت وترعرعت وهى ما زالت فى مقاعد الدراسة لسببين رئيسيين وهما: السبب الأول وجود الأستاذ والمعلم الذى يتابع موهبةالطالب فى مجال معين وعدم اكتفائه فقط بتقديم المادة العلمية من خلال مقرره، والسبب الثانى وجود المكان المناسب لممارسة الأنشطة غير الصفية مثل ملعب رياضى ومسرح ومرسم وإذاعة مدرسية، الخ… كانت المدارس والجامعات فى القرن الماضى بمثابة حاضنات تنطلق منها المواهب الشابة، فمعظم الفنانين الكبار مثل يحيى الفخرانى، عادل إمام، فاروق الفيشاوى، وغيرهم بدأوا أولى خطوات التألق فى المسرح المدرسى أو الجامعى، ومعظم المواهب الرياضية مثل كابتن صالح سليم وكابتن محمد لطيف وغيرهما من الأسماء اللامعة فى الرياضة بدأوا فى التألق والنبوغ من خلال الدوريات الرياضية للمدارس أو الجامعات.
من هنا يتبادر إلى الأذهان السؤال المهم: لماذا لم تعد مدارسنا وجامعاتنا حاضنات لاكتشاف وإعداد المواهب كما كانت، ولماذا لم يعد هناك الاهتمام الكافى فى نظامنا التعليمى بالأنشطة غير الصفية التى تهيئ البيئة المناسبة للطلاب لإطلاق مواهبهم وطاقاتهم؟ فى الحقيقة هناك عدة أسباب لذلك أولها هو تغير أولويات سياسات التعليم منذ السبعينيات من القرن الماضى، حيث أصبحت المدارس تركز بشكل أساسى على التعليم الأكاديمى التقليدى والتفوق فى الاختبارات لسد حاجات سوق العمل، مما أدى إلى إهمال الأنشطة الرياضية والفنية بالتدريج إلى أن أهملت تماما مع بداية الألفية الثالثة. هذا بالإضافة إلى ظاهرة الانفجار السكانى التى أدت إلى زيادة أعداد التلاميذ فى المدارس بشكل يصعب معه تنظيم أنشطة غير صفية، حيث أدت هذه الزيادة إلى أن تعمل المدارس وفق نظام ثلاث فترات للدراسة خلال اليوم الواحد بعد ان كانت المدرسة تعمل بنظام اليوم الكامل وفترة واحدة للطلاب والذى كان يسمح لهم بممارسة العديد من الأنشطة غير الصفية. من ناحية أخرى أدى ضعف الموارد والتمويل اللازم لتوفير الأدوات والمرافق المناسبة لتنمية المواهب، سواء كانت رياضية أو فنية، خصوصا فى المدارس والجامعات الحكومية إلى إهمال الأنشطة غير الصفية. هذا بخلاف السياسات التى أدت إلى ازدحام المناهج الدراسية بمقررات كثيرة، وبالتالى عدم وجود وقت مخصص للأنشطة غير الصفية، وهو ما أعاق اكتشاف وتطوير المواهب.
وفى السنوات الأخيرة أيضا حدث تطور مهم وهو ظهور المنصات الرقمية التى بدأت تجذب المواهب بشكل فردى بعيدا عن النظام التعليمى، وأصبحت هذه المنصات هى الملاذ الأساسى للموهوبين لعرض مواهبهم وتعرف الناس عليها. وهذا الأمر ينطوى على خطورة كبيرة فى مستوى ونوعية المواهب التى تظهر، فالمواهب التى أفرزها النظام التعليمى قديما كانت تتحلى بقيم وأخلاقيات تكتسبها من البيئة الحاضنة لها، والأمر مختلف تماما بالنسبة لمواهب المنصات الرقمية الذين لا يلتزمون بنفس المعايير والأخلاقيات ويفعلون بعض الأمور التى تتنافى مع قيمنا المجتمعية من أجل الشهرة السريعة والكسب السريع بغض النظر عن المحتوى والمضمون الذى يقدمونه. فى الحقيقة هناك أهمية كبيرة لاستعادة النظام التعليمى لأحد أدواره المهمة التى يلعبها فى أى مجتمع متقدم وهى اكتشاف المواهب، حيث إن اكتشافهم منذ الصغر فى المدرسة أو الجامعة يسهم فى تشكيل مجتمع نابض بالإبداع والتفوق. هذا أيضا يسهم فى تحقيق رسالة المدرسة والجامعة فى المساهمة فى إعداد خريجين لسوق العمل من خلال تأهيل الطلاب الموهوبين لفرص عمل مستقبلية، خاصة فى المجالات الرياضية والفنية. ومن ناحية أخرى فإن ضعف النظام التعليمى فى اكتشاف المواهب يؤدى إلى انخفاض مستوى المشاركات فى المحافل الدولية، مما يؤثر على صورة ومكانة الدولة عالمياً. والسؤال الصعب هو كيف يمكن استعادة النظام التعليمى لهذا الدور وما هى آليات ذلك؟ لكى يحدث ذلك هناك ضرورة قصوى لإعادة الأنشطة غير الصفية للمدارس والجامعات بحيث يتم تضمين برامج رياضية وفنية موجهة داخل المناهج وتوفير وقت مخصص لها. ولكى يحدث ذلك لابد من الاستثمار فى البنية التحتية للأبنية التعليمية فيجب دعم المدارس والجامعات بمرافق وتجهيزات تساعد على تطوير المواهب، مثل إنشاء ملاعب وصالات للرياضة وقاعات للفن والموسيقى. أيضا هناك أهمية قصوى لإقامة شراكات بين المؤسسات التعليمية والأندية الرياضية، والمؤسسات الفنية، لتوفير التدريب والتوجيه للطلاب. كما يجب أن تقوم وزارتا التعليم والتعليم العالى ووزارة الشباب والرياضة بطرح برامج قومية لاكتشاف المواهب فى المدارس والجامعات،ويمكن أن يسهم القطاع الخاص فى تمويل هذه الأنشطة أو رعاية المواهب التى يتم اكتشافها فى المؤسسات التعليمية. وأخيرا وليس آخرا يجب تدريب وتوظيف معلمين مؤهلين لاكتشاف ورعاية المواهب منذ الصغر.
فى الختام نؤكد أن بناء مستقبل مشرق للدولة المصرية، وبناء مجتمع مبدع قادر على المنافسة والابتكار يحتاج منا إلى بذل جهود كبيرة فى رعاية الموهوبين، وأن يعود النظام التعليمى المصرى كما كان حاضنة لاكتشاف وتطوير المواهب والمبدعين.
> نائب رئيس جامعة القاهرة